حسين بن فخر الدين ( ابن معن )

58

التمييز

كل عزّ لا يوطده علم مذلّة ، وكل علم لا يؤيده عقل مضلّة . العاقل لا يتتبع العورات ولا يترقب الزلات ، ولا يذكر ما مضى وما فات ، لا يكشف المستور ولا يحزن المسرور ، لا يؤاخذ بالسيئات ولا يقبل التهمات ، لا يغتر بالغرور ولا يلتفت إلى المغرور ، لا يضيّق بالمحرجات ولا يحرّج بالمضيّقات ، ولا يلتمس أقصى الحاجات والحالات ، / 12 ب / يرضى من أمره باليسير ويجبّر كل كسير ، يتصرف في الملمّات لما ينفعه بعد الممات ، ويتوقّى ما يورثه الندم والحسرات سالكا في الطريق حيث لا يضيّق ولا يضيق ، وقد أجمع أهل الكشف « 1 » على أن كل خير ديني ودنيوي في جبر القلوب مطلقا ، وكل شرّ في كسر القلوب مطلقا فمن أحبّ أن يحصل له دوام الجبر من اللّه ، في الدنيا والآخرة فليدم جبر قلوب خلق اللّه فانّ العالم بسط ببسط ، صفاء بصفاء ، كدر بكدر ، يسر بيسر ، فمن هذا اقتبس ، وعلى مثل هذا فقس ، ما أبين الخير والشر في مرآة العقل إذا لم يصدّها الهوى . وقال الشعبي « 2 » : إذا أراد اللّه أن يزيل نعمة عن عبده كان أوّل ما يغير منه عقله ، شعر ( الكامل ) وإذا أراد اللّه رحلة نعمة عن دار قوم أخطئوا التدبيرا وروي عن أبي الدّرداء رضي اللّه عنه أنه قال : ما من رجل إذا أصبح إلّا اجتمع هواه وعقله فإن كان هواه تابعا لعقله فيومه يوم صالح ، وإن كان عقله تابعا لهواه فيومه يوم شر . الرأي نائم والهوى يقظان فمن هنا يغلب غالبا . وقال أرسطو « 3 » : إنّما غلبت الشهوات على الرأي في أكثر النّاس لأن الشهوة معهم من لدن الصّبا ، والرأي انّما يأتي عند تكاملهم فأنسهم بالشهوة لقدم الصحبة ، من أراد النجاة فعليه ترك الشهوات .

--> ( 1 ) أهل الكشف : الكشف في اللغة رفع الحجاب ، وفي الاصطلاح الاطلاع على ما وراء الحجاب عن المعاني العلية والأمور الخفية وجودا وشهودا . دستور العلماء 3 / 124 . ( 2 ) هو عامر بن شراحيل بن عبد ذي كبار ( ت 103 ه / 721 م ) . من التابعين وأحد الرواة الفقهاء ، يضرب المثل في حفظه ، اتصل بعبد الملك بن مروان ، وهو من رجال الحديث الثقات ، عين قاضيا زمن عمر ابن عبد العزيز ، مات في الكوفة . تهذيب التهذيب 5 / 65 ؛ حلية الأولياء 4 / 310 ؛ تهذيب تاريخ دمشق 7 / 141 - 158 . ( 3 ) أحد حكماء الإغريق وعلمائهم ، وكان خطيبا مفوها وطبيبا بارعا وكتب في الحيوان والنبات والمعادن ، لكن غلبة الفلسفة عليه ، وكتبه في هذا المجال مشهورة . طبقات الأطباء والحكماء 25 - 27 ؛ مختار الحكم ومحاسن الكلم 178 - 184 .